حين تتحاول معاناة اليمنيين إلى فرصة .. مؤسسة هندية احتيالية تستدرج اليمنيين إلى عمان
فاروق مقبل الكمالي
فجأة يجد اليمنيين أنفسهم أمام إعلان موجه صادر عن ما يسمى بـ مؤسسة "الاستقلال الكريم" (Dignified Independence) غير الحكومية"، يدعوهم للحصول على وظائف عبر مكتب خدمات خاص لليمن في منطقة المزيونة الحرة، الواقعة على الحدود العمانية اليمنية بالقرب من منطقة شحن.
يطرح الإعلان أمام اليمنيين خيارين أساسيين؛ الأول يركز على العمل داخل اليمن،أما الخيار الثاني فيفتح آفاقاً للتوظيف الدولي لمن يرغب في السفر والعمل في الخارج.
وعلى صعيد العوائد المادية، يلفت الإعلان إلى أن هذه الفرص توفر دخلاً مرتفعاً يعتمد على الدولة وطبيعة الوظيفة. بالإضافة إلى التوظيف، ينوه الإعلان إلى أن المكتب يعمل على تيسير إجراءات الهجرة والإقامة والعمل في الخارج، بحسب الإعلان المنشور في صفحة المؤسسة.
مؤسسة الاستقلال الكريم
يدعي الكيان أنه منظمة إنسانية دولية تعمل في مجالات التوظيف والتعليم والرعاية الصحية والسياحة والتنمية الاجتماعية من أجل الكرامة والنمو الشامل في جميع أنحاء العالم، تحت مظلة الأمم المتحدة في نحو 188 دولة، وأن مكتبها الدولي يقع في الشارقة، الإمارات العربية المتحدة.
من مستشفى إلى منظمة إنسانية
تشكل وسائل التواصل الاجتماعي بداية جيدة للبحث الأولى عن الشركات والمؤسسات والأشخاص، وبعد البحث عن Dignified Independence (ديغنفيد إنديبيندنس) وجدنا أن المنظمة تدعي أنها تأسست في أكتوبر 2024، لكن صفحتها الرسمية على منصة فيسبوك أُنشئت باسم Endow Capital، وفي نفس اليوم تقريبا تحول إسمها إلى KK Hospital Balussery، وفي 14 يوليو 2022، عادت إلى الاسم السابق Endow Capital، وفي 29 يونيو 2023 تغيرت إلى الاسم الحالي منظمة "الاستقلال الكريم" Dignified Independence، مع الإشارة إلى أن الصفحة حذفت كل المنشورات التي نُشرت بالأسماء السابقة.
التحقيق في الدومين
تحققنا من الدومين الخاص بالمنظمة، ولم نجد أي صلة له بالأمم المتحدة، بل تبين أنه موقع لكيان خاص يحاول استغلال اسم وشعار الأمم المتحدة
للإيحاء بشرعية دولية غير موجودة، من خلال دمج اختصار الأمم المتحدة (UN) ومصطلح المنظمات غير الحكومية (NGO) مع اسم النطاق (un-ngo.org)، لخداع الزوار بأن الجهة معتمدة أو تابعة مباشرة للأمم المتحدة، غير أن عملية الفحص أظهرت أن النطاق تجاري خاص ولا يمت بصلة للبنية التحتية التقنية للأمم المتحدة.
ما وراء بيانات التسجيل
قادت عملية تتبع البيانات التقنية والسجلات التجارية إلى أن المالك الحقيقي للشركة، إذ تُظهر السجلات المهنية ارتباطاً إدارياً وثيقاً بين كل من نواب واجد NAVAB WAJID، ورحيماثو شاهانا RAHIMATHU SHAHANA، حيث بدأت مهامهما الرسمية في الحادي والعشرين من أكتوبر عام 2024. ويجتمع الطرفان في إدارة مؤسسة DIGNIFIED INDEPENDENCE NGO FOUNDATION، وهي منظمة غير حكومية مسجلة بحالة "نشطة" وفقاً لآخر تحديث للبيانات في أغسطس 2025.
يبرز نواب واجد، الحامل لرقم تعريف المدير (DIN) 03065846، كشخصية إدارية بدأت مهامها الرسمية في الحادي والعشرين من أكتوبر عام 2024، حيث تشير البيانات المحدثة في أغسطس 2025 إلى اعتماده كمدير لمؤسسة DIGNIFIED INDEPENDENCE NGO FOUNDATION. وبالإضافة إلى دوره النشط في هذه المؤسسة، ارتبط اسمه سابقاً بشركة CHAACHU AYURVEDICS PRIVATE LIMITED المتخصصة في المنتجات الطبية التقليدية، والتي تُصنف حالياً في السجلات الرسمية كشركة "مشطوبة" (Strike Off).
وفي المقابل، يبرز رحيماثو شاهانا، الحاملة لرقم تعريف المدير (DIN) 09172113، كشريكة إدارية بدأت مسيرتها في ذات التوقيت، وتحديداً في 21 أكتوبر 2024. وتتولى شاهانا إدارة شركة MINIMAX PROFESSIONAL MANAGEMENT PRIVATE LIMITED، وهي شركة لا تزال في حالة "نشطة".
تناقض هذه المعلومات ما تُظهره المنظمة في صفحتها على أن مقرها الرئيسي في تورونتو، كندا (30 Bond Street)، بينما تشير سجلات التسجيل الرسمية والنشاط الفعلي إلى الهند وإمارة الشارقة في الإمارات العربية المتحدة، وتظهر المعلومات إسم نواب واجد كمنسق رئيسي للمنظمة في منشورات وسائل التواصل الاجتماعي، وهو توصيف مهني مغاير لما أظهرته بيانات التسجيل، من أنه المدير/ المالك للمؤسسة.
فضلًا عن ذلك، قادت عملية التحليل إلى أن المنظمة تستخدم بريدًا شخصيًا مسجل باسم نواب واجد (drnawabwajid@gmail.com) لتلقي الوثائق والمدفوعات، وهو ما لا تقوم به أي منظمة دولية حقيقية.
مؤشرات قوية لمنظمة احتيال
من خلال تتبع موقع الشركة تبرز عدة مؤشرات على أن المنظمة تمارس الاحتيال فعليا، من خلال الادعاء بأنها تقدم شهادات اعتمادات العضوية الدولية للمنظمات "شراكة وعضوية الأمم المتحدة"، وبيع صفة ممثل دولي لأفراد في دول معينة، مقابل مبالغ مالية "دبلوماسية وهمية"، وبيع شهادات التحقق من الشفافية مقابل وضع اسم المنظمة في "قائمة التحقق" الخاصة به، لإعطاء انطباع زائف أمام المتبرعين المحليين بأن المنظمة تخضع للرقابة الدولية، بالإضافة إلى ذلك تعلن المنظمة أنها تقدم هذه الخدمات بمقابل يتراوح بين 15-20 دولار، كما تبيع بطاقات هوية دبلوماسية أو إغاثية تحمل شعارات تشبه شعار الأمم المتحدة. وهذه الرسوم تدفع إلى حساب المنسق العام في المنظمة "نواب واجد" كما يظهر في صفحة الشفافية في الموقع.
علاقة المنظمة بالأمم المتحدة
لا تظهر قاعدة البيانات الرسمية التابعة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة (iNGO) أي وجود للمنظمة في سجلاتها في الوقت الذي تدعي المنظمة أنها تعمل في 188 دولة حول العالم، ما يرجح بشدة مؤشرات التضليل فيما تدعيه.
وللتأكد أكثر من فرضية الاحتيال، قمنا في يوب يوب بفحص موقع المنظمة الإلكتروني باستخدام موقع unfraud المتخصص بفحص نزاهة المواقع، وأظهرت النتيجة ترجيحا كبيرا أنه مركزًا للأنشطة الاحتيالية، كما يشتبه بشدة في أنه يدار من قبل محتالين.
ما وراء العروض الوهمية
تثير العروض المغرية التي تروج لها هذه المؤسسة تساؤلات حادة ومريبة حول أهدافها الحقيقية؛ فبينما تسوق المؤسسة لتسهيلات استثنائية عبر مكتبها في منطقة المزيونة الحرة، من خلال تقديم فرص توظيف دولية لمن يرغب في العمل في الخارج، مدعومةً بإغراءات مالية ضخمة تصل إلى ملايين الريالات اليمنية كرواتب وحوافز، بالإضافة إلى وعود بتسهيل الهجرة والإقامة والعمل في الخارج، مع إمكانية دخول المواطنين اليمنيين دون الحاجة لتأشيرة أو وثائق سفر، مع كل هذا تبرز مخاوف جدية من أن تكون هذه الوعود التي تقدمها ليست سوى واجهة لعمليات احتيال منظمة، وأن يكون هذا التسهيل مجرد طُعم لاستدراج الشباب وإقحامهم في فخ التجنيد للحرب الروسية، خاصة مع اختيار منطقة حدودية مشبوهة -والتي ارتبطت بعمليات تجنيد سابقة- لتكون مركزاً لهذا النشاط الاحتيالي.
ويبقى السؤال مفتوحًا، لماذا تسعى هذه المنظمة إلى استقطاب اليمنيين إلى منطقة كانت بؤرة لتجنيدهم وإقحامهم في الفخ الروسي؟.